2012/02/17

مذكرة / تجاعيد بانتظار اليوم الموعود




بسم الله الرحمن الرحيم





أيقظها صياحُ الديك
تتمركز جالسةً على فراشها
تُلَملِم خصلات شعرها البني
تلتقط الساعة .. تتمعَّن في عقاربها لتجدها الخامسة فجراً .
تُعيد الساعة إلى مكانها : الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور .
تُزيح عنها اللِّحاف
تنهض من فراشها
تتقدَّم ببطء نحو النافذة التي سئمت من عادة هذه المرأة -التي ناهزت الثلاثين من العمر-
وكأنها ترتشف منها عبق الحياة .
تُزيح الستارة عن وجه النافذة .. تفتحها ..
تستنشق نسيم الصباح الباكر .
فتشعُر أن رأتَيها -اللاتي أنهكهما هواء الحياة المُلوَّث بأطماع البشر- تتفتَّحا أكثر ..
تستعيدا حياتهما من جديد .
فتبلُغُ السعادة من هناء مبلَغَها .
تشخص ببصرها نحو الأفق الأزرق المُلطَّخ ببعض الإحمرار ذاكرةً الله :
أصبحنا وأصبح الملك لله .
يتجسَّس صوتُ العصفور على مشاعر هناء فيوقظ مشاعرَها من نومها
فيُحدِّثها بأحداثٍ غابرة /
كابنها سعيد -ذو العامان- حينما خَرَجَت وإياه في آخر النهار لتبتاع له لعبةً من المتجر المُجاور ؛
فعادت لبيتها بدونه كآخر مرةٍ تراه .
وأختها الصغيرة سارة -ابنة الخمسة أعوام- المُفعمة بالحيوية
حينما التقطت من نافذة غرفتها الصغيرة بعض الزهور وخرجت لتلتقي بهناء
فتُهدِيَها الزهور كهديـة نجاحٍ لِيَأخذها الموت بسرعـة حتى تطايرت الزهور
ليرتطم بعضُها بوجه العدو !
... : هنـاء
... : هنـآآآء .
ترفع هناء يدها الشاحبة بسرعة نحو وجهها لتمسح آثار البكاء ؛
ثم استدارت إذا هي أختها التي تصغرها بسبعة أعوام .
تُشيح عينَيها بعيداً عن نظرها : نعم نعم .. أتريدين شيئاً ؟
سُعاد : أريد شيئاً ! لا أبداً فقط كنتُ سأوقظكِ لصلاة الفجر .
هناء : آآ حسناً . شكراً سُعاد .
سُعاد : عفواً .
تخرج سُعاد مُغلقةً الباب وهي تُحدِّث نفسها : لقد تغيَّرت هناء كثيراً
أصبح يشوبها الصمت فبالكاد تُجيب بلا أو نعم .
وتقضي جُلَّ وقتها في غرفتها خاصةً بعدما استشهد ابنها سعيد وأختي سارة ؛
أمم ربما لأنهما ماتا أمام عينيها ثم إنَّ سعيد ليس بينه وبين سارة إلا فترةٌ يسيرة .
آآه حالتكِ تُثير الشفقة .
بعدما فرغت هناء من الصلاة جلست على سجادتها تذكر الله وتقرأ القرآن حتى بزغ الصباح .
تطوي السجادة بعد أن أخذت قسطاً وافراً من التفاؤل والثقة بالله .
تأوي إلى نافذتها كعادتها ؛
لكن في هذه المرة بقلبِ طفلٍ يأوي لأحضان والدته ليغفو بسلام .
أخذت تتأمل شارع الحي يبدو هادئاً بعدما خلَّفه فرسانُ فلسطين أظهرهم
ذاهبين للمدرسـة .
على قارعة الطريق تشمخ شجرةٌ طاعنةٌ في السن
بطولها المتوسط
وأغصانها اليابسة
وكأنها جبلٌ ثابتٌ وسط عواصف ثلجيـة
تلك التي طالما استظلَّ بظلِّها الغادي والرائح .
تُثير تلكم الشجرة مشاعرَ هناء وفضولها ,
فأخذت تطرح على تلك الشجرة سؤالاً يتبع سؤال ؛ والتعجب يملأ عيناها الغائرتان :
تُرى ألم تُزلزلكِ طلقات النار التي لا يكاد ينتهي اسبوع إلا وليدة طلقةٍ تمرُّ هاهنا
في شارع الشهداء ؟
ألم يُضعضِعُكِ مرأى طفلٍ قد تفجَّرت عيناه لا لطلب لعبةٍ أو سيارة بل لموت أمه أمامه ؛
فجلس تحت ظلَّكِ الواهن يُكابد الدمع واليُتم ؟
-على أقل تقدير- كهولتكِ ألم تُحيلُكِ للعجر والإتِّكال ؟
عجيبٌ أمركِ ؛
ولا حتى تَزَحزحتِ عن مكانكِ ميلاً واحداً . !
هواءٌ يلفح وجه الشجرة الشيخة
فتتمايل رافعةً عيناها المُحاطتان بالتجاعيد لهناء لترد على سؤلها
فتُغمغِم بإيحاءاتٍ تقول فيها :
أنا أقف هاهنا بانتظار اليوم الموعود
أقف هاهنا لأبرهن للعالم بصدق نبوة الرسول
لأُثبت للجميع أن الله مع الصابرين
فحينما ينصركم الله -سبحانه- على اليهود عدو الله وعدوكم
يختبأ اليهودي خلفي لأنطق
لأنطق
لأهتف : يا مسلم يا عبد الله يهوديٌّ خلفي



* تعال فاقتله *

**

تجاعيد الشوق
على قارعة ذاكرتنا تنتظر
وحينما أدبر مابقي من الصبر
أحالت ذاكرتَنا إلى روحٍ
تستشهد كل يوم
بانتظار اليوم الموعود .







1433/3/9 هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق